الرئيسية / الأخبار / مذكرات إمرأة / مذكرات امرأة وحيدة

مذكرات امرأة وحيدة

الثانية من ظهر الخميس للعاشر من يوليو(..) لا أزال أتمادى في النوم لعلي أحصل في الدقائق الإضافية على بعض الراحة دون جدوى، الهاتف يرن بنغمات متقطعة لينبئ عن وجود رسائل متواترة لأحد برامج التواصل التي انتشرت كالنار في الهشيم مؤخرا وأصبحت طريقة جديدة للوصول إلى الآخرين في عقر دارهم بل وحتى معرفة إن كانوا يمسكون بهواتفهم النقالة أم لا، لا أدري إلى أي مدى سوف تصل بنا التكنولوجيا خلال عامين أو ثلاثة أخرى .. وعلى غير العادة لا اشعر بأدنى فضول يحملني لمعرفة المرسل وأدفن رأسي بين الوسائد علني أعاود النوم. 


إنها الثانية والنصف وسبع دقائق .. 


ما زلت أتجاهل نغمات النداء وأتقلب باضطراب في سريري الذي أشعر أنه بات يحفظ مزاجي كما يحفظ تفاصيلي، بينما قطعت محاولاتي الفاشلة رنات الهاتف منبئة عن اتصال، مددت يدي في يأس لأتناوله وفي مخيلتي تدور صور الوجوه التقليدية التي غالبا ما يردني منها اتصال في مثل هذا الوقت. كل شيء أصبح مكررا، كل شيء بات في عيني يفيض سأما، وفتحت زر الاتصال لأجيب .. 


إنها هند، إحدى صديقات الصبا التي أعادتها لي الأقدار بعدما وجدتها مصادفة في حفلة زفاف إحدى زميلات عملي الأخير، حيث أعمل في قسم إدارة الموارد البشرية بإحدى الشركات الخاصة لأقطع سديم وحدتي وأستثمر معلوماتي الدراسية في العمل، على الأقل أشعر أنها لم تذهب هباء، وأني أقدم شيئا مفيدا للمجتمع الذي أعيش فيه من جهتي.هاهي تذكرني بلقاء اليوم في محاضرة حول التنمية البشرية، لقد ذكرته لي منذ مدة وشعرت ببعض الحماس لكسر الروتين والالتقاء ببعض صديقاتي القديمات، حيث أخبرتني أنها علمت باحتمال حضور بعضهن ممن مضت سنوات طويلة على اختفائهن في سراديب الحياة المليئة بالواجبات والمسؤوليات، وبالنسبة لي فأنا أشعر بعض الفضول لأرى ما فعلت بهن الأيام والسنوات.ترى من منا أكثر سعادة أو على الاقل تمازجا مع الواقع وتقبلا لإملاءات الحياة.


–    مرحبا هند
–    مرحبا .. أما زلت نائمة أيتها الكسولة
–    أخبريني أي شيء يمكنني فعله سوى النوم في يوم كهذا
–    وهل نسيت موعدنا الذي أخبرتك به مرارا
–    لم انس .. ولكن مازال في الوقت متسع
–    حسنا .. أردت فقط أن أتأكد من حضورك حيث لا أحب الجلوس وحدي للاستماع الى محاضرة مملة
–    يالك من فتاة عجيبة .. تتصلين بي لتؤكدي علي حضور محاضرة لا ترغبين سماعها
–    وكأنك لا تعلمين أنها مجرد فرصة للقاء والتعارف بالأخريات .. انهضتي هيا ولا تجادليني فليس أمامك سوى ثلاث ساعات أعلم أنها لا تكفي الأميرة أمل
–    حسنا يا أميرة هند .. لم يعد في عيني قطرة نوم بعد الاستماع إلى محاضرتك الهاتفية
–    هذا جيد .. أراك في الخامسة .. لا تتأخري !
–    حسنا ..
–    إلى اللقاء
–    إلى اللقاء


أغلقت هاتفي ووضعته جانبا ثم نهضت بتثاقل وأنا أنظر صوب النافذة التي تسللت منها أشعة شمس قوية وتساءلت في نفسي كيف سيكون ذلك اللقاء.


***

أمام المرآة تفحصت ملامحي بطريقة أشبه بما تؤديه ممثلة تجسد دور امرأة فقدت رونقها وباتت تفتش عنه بإحباط في صفحة مرآتها. كان وجهي شاحبا وعيناي دونما بريق،أما شعري فيحتاج بصورة عاجلة إلى صبغ يغطي تلك الشعرات البيضاء التيبزغت في مقدمته لتذكرني بعدد السنين التي ضاعت من عمري. أعرضت بوجهي عن المرآة وكأنني أتجاهل شخصا بغيضا لا أود رؤيته وبدأت في اتخاذ اللازم لتغيير ذلك المظهر المزري استعدادا للقاء.


لا أعلم حقا ما الذي يجعلنا نبغض أشياء فينا يفترض أن نحبها كما أحببنا سواها، ولماذا نصطف مع الآخرين في نظرتنا إليها وحكمنا عليها، فنحب نظارتنا مثلا ونكره شحوبنا، نحب قوتنا ونكره ضعفنا، حيث لا ينبغي أن نحب شطرا ونكره شطرا، فنحن بحاجة لمحبة عيوبنا كما نحب مزايانا، وذلك يمنحنا نزعة التسامح مع عيوب الآخرين فنتقبل وجودهم دون أن نمارس في حقهم أي نوع من الإقصاء أو الازدراء لأننا ندرك أن كثيرا من عيوبنا أو عيوبهم ليستبأيدينا، وأول النصائح التي سيلقيها عليك خبير تنمية بشرية أو حتى أخصائي نفسي أن تحب نفسك لتعيش متوازنا، وليست هذه الحلقة المفقودة التي نعثر عليها بفضله فتعود على إثرها حياتنا ناجحة وسعيدة، فنحن قادرون على محبة أنفسنا وأشكالنا وصفاتنا بكل تفاصيلها الدقيقة، لكن من حولنا يدفعوننا إلى كراهيتها عندما يبدؤون في تصنيفنا، وخلع الألقاب الجارحة علينا، الاشمئزاز منا، أو التبرم، أو حتى الهرب. فنحن إذا لا نملك سلطة تامة على أنفسنا بل يملك نصفها الآخرون الذين يلزمنا أخذ آرائهم ومواقفهم منا في الاعتبار حفاظا على راحتنا، ومصالحنا، وعلاقاتنا جيدة معهم، والاستفادة منها في تقييم أنفسنا أحيانا. وهذه معادلة صعبة أثق أن الكثير يعارضها بقوة، لكنها تحمل شيئا من الحقيقة في اعتقادي.


***


الساعة الرابعة عصرا .. 


بينما أكاد أختفي بين الثياب المترامية في كل مكان في الحجرة بحثا عن شيء يلائمني .. يرن هاتفي مجددا ليحمل لي رسائل من هند تنبهني إلى مضي الوقت ودنو الموعد، لا أدري ما الذي أصابها لتهتم به كل هذا الاهتمام. إنها تثير توتري.


ألقيت بهاتفي على السرير وتابعت بحثي الممل حتى وصلت إلى بذلة ملائمة ارتديتها وبدوت فيهاوكأنني معلمة صارمة لمادة ثقيلة.


لم يعد هناك متسع من الوقت لأبحث وأجرب المزيد، لابد من تسريح شعري بطريقة مختلفة عما اعتدت عليه دائما، ولكن شعري القصير لا يمنحني خيارات عديدة لتسريحه، حيث لم أعد أرى في طوله معنى، بل أشعر  وكأنه أنشوطه تخنقني وتأخذ من وقتي الكثير للعناية به خاصة بعدما بهت لونه وتسلل إليه الجفاف فاتخذت قرارا بقص ثلثيه لأنهي تلك المأساة. 


حسنا .. ربما وضع طوق صغير لرفع مقدمته يبدو جيدا حيث لا أحب اللجوء إلى أساليب معقدة في تصفيفه.
***


الرابعة وخمس وثلاثون دقيقة ..


لم يعد هناك متسع من الوقت .. لابد أن أختار بعض الزينة على وجهي لأخفي شحوبه، سأختار  ألوانا طبيعية فلست بمزاج جيد لأضع ألوانا زاهية .. أحاول أن أبدو على طبيعتي، ربما لأني ما زلت أراهن على تحدي الزمن وأريد أن أبدو كما عُرفت دائما. فالمبالغة في الزينة ليست سوى محاولة مفضوحة لإخفاء بصماته على ملامحنا، وأنا مصرة أن أتحدى هذا الزمن الذي يجتهد في قهري والعبث بي.


الخامسة إلا خمس دقائق .. 


في الطريق إلى موقع اللقاء .. أشعر ببعض التوتر، هند توقفت عن إرسال رسائلها لتذكيري بضرورة الإسراع كي نقضي أطول وقت ممكن معا، أحاول الاتصال بها ولكن هاتفها مغلق !


أشعر بالانزعاج، لا أحب المفاجآت الكريهة، لكني ما زلت أحاول التفكير  بأعذار  ليست سيئة. لابد أن بطارية هاتفها قد نفدت بينما لا تزال منشغلة بإعداد نفسها.. فهي على عكسي تماما تعتني بأدق التفاصيل، ولن أخمن إن قلت إنها قد تكون ابتاعت ثيابا خاصة لهذه المناسبة وإن لم تكن بتلك الأهمية لديها، إنها مغرمة بجديد الموضة وربما تجد في هذا الأمر سبيلا للهروب بطريقتها الخاصة من متاعبها.


أخذت أقلب في رأسي وجوه الصديقات التي يفترض أن ألتقي بهن هذا المساء وأنا أحاول تخيل مدى التغيرات التي حلت بها وفقا لطبيعة كل واحدة منهن، حيث يقال أن الملامح تتغير نسبيا تبعالدرجة تفاؤل أو تشاؤم صاحبها، فالبشاشة والابتسام تحافظ على نظارة الوجه، أما العبوس والحزن يزيد عدد التجاعيد ويسرع من علامات تقدم السن.


ووفقا لهذه النظرية فباعتقادي أن سماح لا تزال تبدو شابة ببشرة نظره، وربما ظهرت حول عينيمريم بعض التجاعيد أو الهالات، أما دينا فقد تبدو أقل نظارة ولكن دون تجاعيد .. وسخرت من نفسي وأنا أفكر على هذا النحو بدلا من التفكير فيما سيكون عليه مظهري عند الوصول بعدما تفصدت عرقا من حر الشمس التي أوشكت على المغيب إلا أنها لا تزال تحتفظ بحرارتها، وهكذا هو حالي دائما في كل مرة أضطر فيها للخروج نهارا في أجواء هذه المدينة التي تحتفظ بحرارة طقسها معظم أيام العام، لا أكاد أصل لوجهتي إلا وقد تبللت خصلات شعري والتصقت بوجهي، وتحول كريم الأساس إلى لوشن من شدة ميوعته واختلاطه بعرق وجهي. وتناولت المنديل لأحاول تجفيفه قدر الإمكان إلى أن أصل لموقع اللقاء فأحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه بسرعة قبل أن تراني إحداهن بهذه الهيئة. فما زلت حتى اليوم أتحاشى تصفيف شعري أو وضع المكياج أمام الآخرين، والحقيقة أنني لا أجد تفسيرا واضحا لهذا الأمر، قد أكون خجولة أكثر من اللازم !


وطويت بقية الطريق في استراق النظر تارة بعد أخرى عبر  نافذة السيارة، لأرى تلك التغيرات التي طرأتعلى ملامح المدينة وكأنني آتية إليها من مكان بعيد، أو عائدة من سفر طويل، ففي كل مرة تتبدل معالمها ومبانيها وطرقاتها وكأنها تعاني هي الأخرى توترا عميقا يدفعها لهذه التغيرات المستمرة في مظهرها هربا من الروتين. فطريق عملي قصير جدا ولا يمكنني من خلاله معرفة ما يمكن أن يحل بوجه المدينة التي أقطنها كغريب.


وصلت إلى المكان المطلوب، وترجلت من السيارة بعدما طلبت من السائق أن يتأكد من العنوان، أظن أنني اكتسبت هذه العادة من والدتي فهي لم تثق يوما بأحد، وفي كل مرة كنا نذهب فيها إلى مكان ما نضطر للدوران حوله مرارا والسؤال عنه جيدا قبل دخوله تجنبا لما لا يحمد عقباه، وإن كنت لم أقطع بعد بتلكالتوقعات التي تدور في رأسها حول هذا الشأن !


دلفت من خلال بوابة كبيرة وسرت في طريق من الرخام الفاخر مستعرضة بعض اللوحات الكبيرة المثبتة على الجدران وبعض اشجار الظل الجميلة التي تزين الممرات بطريقة هندسية بارعة.


كان كل شيء يبدو منظما وجميلا إلا داخلي، فقد كنت أشعر باضطراب الزيارة الأولى إن صح التعبير وهو شعور مربك ينتابني كلما زرت مكانا لأول مرة، وبخاصة حين أكون وحدي حيث أضطر لاكتشاف كل شيء قبل أن أجد أحدا ممن أعرفهم لأقضي معه بقية الوقت فأشعر بالتحسن والارتياح. وأخذت أعزز معنوياتي ببعض الرسائل الداخلية ليبدو الأمر عاديا يتعرض إليه الجميع حتى أبصرت سيدات يقفن بصورة عشوائية في بهو متسع ويتبادلن الأحاديث فتحدث أصواتهن ضجة لا أحبها، بينما تظهر في إحدى زواياه نافذة أنيقة بشرفة خارجية يمكن ابتياع المشروبات وبعض الأطعمة الخفيفة من خلالها ريثما تبدأ المحاضرة.

نيلوفر

عن Tin Hinan

"تينهينان" جريدة متخصصة في فضاء حواء الواسع تعبر عن رسالتها وتسعى إلى توثيق نجاحات المرأة العربية وتعزيز صورتها المشرقة في شتى ميادين الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

UA-129678825-1